تمسّك بقوّة

تمسّك بقوّة

عندما كنّا أطفالًا، بأصابعنا الرقيقة الناعمة ووجناتنا الصغيرة الممتلئة، وبعقولٍ لم تُثقلها التجارب بعد، كانت الحياة تبدو بسيطة حدّ البراءة، لطيفة لا تؤذي أحدًا. كنّا ننظر إلى والدينا في لحظات صعوبتهم، فنظن أنّ الحلول واضحة وسهلة، وأنّنا لو كنّا مكانهم لتمكّنا من فعل هذا أو ذاك، وكأنّ أفكارنا الصغيرة قادرة على إنقاذ العالم. كنّا نسمع عن مشاكل الآخرين، فنقترح الحلول بثقة مطلقة، غير مدركين أنّ الحياة أعقد بكثير مما تبدو من بعيد.

ومع مرور الزمن، بعثراته المتلاحقة، وخيباته المتكرّرة، وأفكارنا التي لم تكتمل، وروتينه الذي فُرض علينا قبل أن نعيه، يبدأ شيئًا فشيئًا في إضعاف عزيمتنا. ندخل الدوّامة نفسها التي أقسمنا يومًا أنّنا لن نقع فيها. ونجد أنفسنا دون أن نشعر نشبه أولئك الذين كنّا نظنّ أنّنا مختلفون عنهم. نتقبّل الواقع، نفهم والدينا أكثر، ونكرّر الحياة كما هي، دون تغيير يذكر، حتى يبدو الاستسلام هو الشكل الطبيعي للحياة اليومية.

وفي قلب هذه الدوّامة تحديدًا، أودّ أن أقول إنّ أسوأ ما قد يحدث للإنسان هو أن يتخلّى عن نفسه، وهو ما يزال قادرًا على المحاولة. السير الطويل داخل هذه الدوّامات قد يجعلنا نصدّق أنّها الطريق الوحيد الممكن، وأنّ ما اعتدناه هو الحدّ الأقصى لما نستطيع الوصول إليه. لكن الاستسلام لا يختصر الألم، بل يوسّعه، حتى يُدخل الإنسان في دوّامة أعمق تُقتل فيها ذرّات الأمل شيئًا فشيئًا. لهذا أقول أن لا تترك نفسك. تمسّك بالشعور الداخلي الذي يخبرك أنّك قادر على أكثر مما تفعل الآن، فهو شعور حقيقي. لا تظن أنّ الوقت قد فات، ولا أنّ الحياة انتهت، ولا أنّ الاستسلام هو الخيار الوحيد. قاوم، وابحث، واعمل. فهذه هي الحياة، نتعثّر وننهض بلا نهاية، لكن في كل تعثّر يوجد درس، وفي كل نهوض يوجد اكتشاف جديد لقوتنا وإرادتنا.

وهنا يظهر ذلك الجزء القديم في داخلناالطفل الذي كنّاه يومًا. قد نظنّ أنّه اختفى مع السنوات، لكنه في الحقيقة ما زال يعيش في أعماقنا. هو الجزء الذي كان يؤمن أنّ كل شيء ممكن، وأنّ الأحلام نهايتها دائمًا الوصول مهما بدت بعيدة. وعندما نشعر فجأة برغبة في التغيير، أو بشوق إلى حياة أوسع، أو بنداء داخلي يقول لنا إنّنا قادرون على أكثر، غالبًا ما يكون ذلك صوت الطفل الذي ما زال يسكننا.

تمامًا كما يعيش الطفل الداخلي فينا، كانت أحلامنا الأولى تتجلّى في الأشياء الصغيرة، مثل البالونات التي كنا نحملها في أيدينا. كنّا نركض بسعادة خفيفة، نكاد نحلق معها. وفي لحظة غير متوقعة، لأننا لم نُحسن الإمساك بها، كانت تفلت وترتفع إلى السماء. كنّا نرفع رؤوسنا وننظر إليها بحزن وقهر، عاجزين عن استعادتها. واليوم قد نعيش موقفًا مشابهًا، فقد كانت لدينا أحلام كبيرة، ثم فجأة رأيناها تفلت من أيدينا، بينما نقف ساكنين لا نغيّر شيئًا.

لكنّ الفرق الآن أنّنا لم نعد أطفالًا عاجزين. اليوم نستطيع أن نركض خلف أحلامنا مرة أخرى، أن نمدّ أيدينا ونقبض عليها بقوّة، أن نحافظ عليها فلا تفلت منّا ثانية. نستطيع أن نعتني بها، ونمنحها الوقت والجهد والصبر مهما كان الثمن. فالأحلام هي بالوناتنا التي كانت تمنحنا الفرح في طفولتنا، وهي أيضًا التي تمنح حياتنا معناها في الكبر. في الأحلام نجد السعادة التي نحتاجها، وفي السعي نحوها تتشكّل شخصياتنا ونكتشف من نكون حقًا.

قد تفلت منا بعض أحلامنا، لكن قوتنا تكمن في العودة إليها دائمًا، في الإمساك بما نريد، وفي الاستمرار رغم كل شيء. الحياة ليست عن الخوف أو الاستسلام، بل عن الجرأة والمحاولة، مهما كانت الظروف صعبة

بقلم إيناس زردة

RELATED ARTICLES

بلا تصفيق
بلا تصفيق
وطنٌ في كتاب
وطنٌ في كتاب
مراهقون في الغربة
مراهقون في الغربة
ركن الجالية المفقود
ركن الجالية المفقود

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشَارَ إليها بـ *