في زمنٍ أصبح العيش فيه محكومًا بشروطٍ صارمة، تُقيّم الإنسان وتحدّد إن كان مناسبًا لهذا المجتمع أم لا، يبدأ الفرد بالركض وراء تحقيق هذه المعايير، دون أن يتفكّر في حياته الخاصة، ودون أن يُنصت لنفسه. ينسى أنه هنا ليعيش، ليجرّب، ليخطئ، وليتعلّم.
وفي هذا الزمن أيضًا، نشأ خوفٌ من نوعٍ مختلف. لم يعد الخوف مقتصرًا على الفشل، بل امتدّ ليشمل شيئًا أعمق: الخوف من الانسحاب. الخوف من خوض تجربة ما، أو التراجع عنها، خشية أن يُوصَف بعدها بالضعف أو العجز أو الفشل. وهكذا، تحوّل قرار بسيط كـ "التراجع" إلى عبءٍ نفسي ثقيل، تُحاصره نظرات المجتمع وكلماته وآراؤه، قبل أن تحكمه قناعة الفرد نفسه ومشاعره.
هنا تضيع فكرة "التجربة". فبدل أن تكون مساحة للاكتشاف، أصبحت مصدرًا للقلق والخوف والالتزام القسري. وأخطر ما نتج عن ذلك هو وهم "عدم إضاعة السنوات". فالشخص الذي يكتشف أنه يسير في طريق لا يحبه، بدل أن ينسحب ويعيد توجيه حياته، يختار الاستمرار فقط لأنه أمضى فيه وقتًا طويلًا. ينطلق من فكرة: "لا أريد أن أُضيّع كل هذه السنوات"، لينتهي به الأمر مُضيّعًا عمره في مسار لا ينتمي إليه. هنا لم يعد الاستمرار قوة، بل هروبًا من مواجهة الحقيقة.
لقد أصبحنا نربط الانسحاب بالضعف، مع أن بعض الانسحابات قد تكون نجاة، وقد تكون احترامًا للنفس، بل وقد تكون خطوة ضرورية للعودة إلى الطريق الصحيح. فليس المطلوب من الإنسان أن يتحمّل كل شيء ليُثبت أنه قوي، ولا أن يبقى في كل مكان كي لا يُوصم بالفشل. أحيانًا، تكون القوة الحقيقية في أن ينسحب الإنسان من شيء لا يريده، ومن مكان لا يشبهه، ومن حياة لا يشعر فيها بنفسه.
لذلك، عندما تراودنا فكرة الانسحاب، لا ينبغي أن تكون عواقب نظرة المجتمع أول ما يخطر في أذهاننا، بل علينا أن نتأمل العواقب التي ستترتب على بقائنا في مكان لا يشبهنا ولا يناسبنا. فحين يستمر الإنسان طويلًا في طريق لا يريده، يدخل في حالة من الغربة؛ غربة لا تتعلق بالمكان، بل بالإحساس. يشعر وكأنه غريب في حياته، يؤدي أدوارًا لا تشبهه، ويتخذ قرارات لا يفهمها. يبدأ بالشك في كل ما يفعله، ويطارده خوف دائم من الندم، ومع ذلك يتردد في الانسحاب، وكأنه عالق بين طريق لا يريده وخوف لا يسمح له بالمغادرة.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الشجاعة. فالشجاعة ليست دائمًا في الاستمرار، بل أحيانًا في التوقف. ليست في التحمّل الأعمى، بل في الاعتراف بأن هذا الطريق لا يناسبنا. الانسحاب ليس فشلًا كما يُصوَّر لنا، بل قد يكون أصدق قرار نتخذه تجاه أنفسنا.
إيناس زردة

