دائمًا ما نسمع كلمة الغربة أو ننطق بها، وغالبًا ما نظنّ أن المقصود بها هو المكان فحسب. لكن إذا منحنا أنفسنا مساحة ووقتًا للتفكير بعمق أكبر، سنكتشف أن الغربة تجربة إنسانية معقّدة، لا تقتصر على الانتقال الجغرافي من مكان إلى آخر، بل تمتد لتشمل أبعادًا نفسية وثقافية عميقة.
فكثير من المغتربين، رغم اندماجهم الظاهري في مجتمعات جديدة، يواجهون شعورًا خفيًا بالوحدة والانفصال، شعورًا ناتجًا عن الابتعاد عن اللغة الأم، والثقافة، والبيئة الاجتماعية المألوفة. إنّه ذلك الإحساس الذي يحيط بك من كل زاوية، هامسًا لك بأنك لا تنتمي إلى هذا المكان، إحساس بالبعد والانفصال، وفراغ كبير يبقى متمركزًا في داخلك مهما حاولت الانشغال بالحياة… الفراغ.
فالفراغ والوحدة هما العاملان الأساسيان اللذان يزرعان في نفوسنا، كمغتربين، مشاعر الحزن والحنين. ومهما كثر الأصدقاء من حولنا، يبقى شعور الوحدة حاضرًا، لأن الغربة لم تعد مكانًا نعيش فيه، بل أصبحت حالة متأصّلة في داخلنا.
وفي هذا السياق، تصبح القراءة أكثر من مجرد هواية، بل وسيلة حقيقية للدعم النفسي والارتباط بالذات. فمن خلالها يستطيع المغترب كسر عزلته الداخلية، والانفتاح على عوالم وأفكار قد تساعده في رحلته هذه. إذ يغوص في بلدان أخرى وثقافات مختلفة، ويتعمّق في فهم الحياة والإنسان، وفي فهم مشاعره الخاصة والبحث عن جذورها.
وكثيرًا ما يمرّ الإنسان بحالات أو مشاعر يعجز عن تفسيرها، ليجد في كتابٍ ما انعكاسًا صادقًا لما يشعر به، وتفسيرًا يُريه ما كان غامضًا في داخله. وهكذا تتحوّل القراءة إلى رحلة داخلية، يسعى من خلالها المغترب إلى فهم ذاته، ومصالحتها، وإعادة بناء توازنه النفسي في هذه الرحلة.
ومن هنا أيضاً تظهر أهمية القراءة باللغة العربية، ليس فقط كلغة، بل كمساحة أُلفة وراحة. فاللغة تحمل معها طريقة التفكير نفسها، والتعابير المألوفة، وحتى النكات التي لا تُفهم إلا ضمن ثقافتنا. القراءة بالعربية تمنح المغترب شعورًا قريبًا من البيت، إحساسًا بالانتماء والدفء، حتى وهو بعيد. فاللغة العربية لا تنقل المعنى فقط، بل تنقل المشاعر والتجارب كما هي. ومع كل صفحة، يخفّ شعور الغربة قليلًا، ونواجه الوحدة التي قد تُغرقنا في عزلة مظلمة. وهكذا تصبح القراءة بالعربية فرصة للألفة، ولتعلّم أشياء جديدة، دون أن نفقد اتصالنا بأنفسنا.
كما تلعب الكتب العربية دورًا مهمًا داخل الأسر المغتربة، خاصة في تربية الأطفال، فتساعدهم على التعرّف إلى لغتهم وثقافتهم، وتشكّل جسرًا طبيعيًا يربطهم بهويتهم الأصلية، بعيدًا عن الفرض أو الإلزام.
وفي النهاية، تبقى القراءة في حياة المغترب مساحة آمنة وهادئة، تخفّف من حدّة الوحدة، وتساعد على الحفاظ على توازنٍ داخلي بين ما نعيشه اليوم وما نحمله معنا من ذاكرة وهوية.
بقلم إيناس زردة


2 tankar om “وطنٌ في كتاب”
Yaman
مقال جميل وبيلامس الواقع يلي كثير منا عايشه، بتمنى نشوف مقالات اكثر من هذا النوع
Eslam
ماشاءالله أيناس 🤍، فخوره فيكي جداً يا عمري انت ، عقبال ما نشوف الكتاب 🫶🏻